محمود سالم محمد
249
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
علماء المسلمين ، رفضوا هذه النظريات وحاربوها ، وكثير منهم تهيّبوا من الخوض فيها ، واستند الرافضون والمتهيبون في مواقفهم على الأصول الإسلامية من قرآن وحديث ، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو أوّل من ردّ على أصحاب هذه النظريات في ذاته ، فروي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبده ، فقولوا عبد اللّه ورسوله » « 1 » . فالنبي الكريم ألهمه اللّه تعالى في حديثه عن الغيب أو المستقبل أمورا شتى تحققت وستتحقق ، ومن هذه الأمور انقسام أمته على نفسها في أمور عقيدتها ، وفي النظرة إليه والحديث عنه ، ولذلك شدّد في حديثه هذا وفي مجمل أحاديثه على عبوديته للّه تعالى قبل كل شيء ، فقد اختاره اللّه سبحانه ليحمل رسالة الهدى والحق ، وليعيد العلاقة بين الخالق والمخلوق إلى حقيقتها ، وهي علاقة عبودية للخالق ، وليست علاقة بنوّة أو تفويض بالخلق ، أو بالوساطة مع الخلق ، إلى غير ذلك مما جاءت به الحقيقة المحمدية وتفاسيرها ، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أثبت ما هو ثابت له ، وهو العبودية والرسالة ، وأسلم للّه ما هو له لا لسواه ولا يشاركه فيه أحد ، من القدرة والخلق ، وغير ذلك من صفات اللّه المنفرد بها عن خلقه . أخذ شعراء المدائح النبوية جميعهم بالحقيقة المحمدية ، أخذ بدهية دينية لا تحتاج إلى النقاش ، وذكروها في قصائدهم ، ومدحوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بها ، بل جعلوها أقصى ما يمدح به ، فقد استهوتهم نظرية الحقيقة المحمدية ، لأنها تتجاوب مع تحليق الخيال ، ومع المبالغة الشعرية ، وقد مدّهم أصحاب السيرة والخصائص والدلائل بفيض من هذه الروايات الغيبية ، التي تثير المخيلات ، وتفسح المجال أمام القول الشعري ، لكن هذه الروايات الغيبية ، التي فرح بها الشعراء لها خطرها على العقيدة ، أو كما قال محقق كتاب الخصائص الكبرى في مقدمته : « لا شيء أفسد للتاريخ والسّير من تلك الروايات المحلقة في سماء الخيال ، والتي تنقل الحياة البشرية من عالم الواقع إلى جو الأساطير ،
--> ( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب الأنبياء 4 / 142 .